تقرير فريق المرأة ـ مجموعة الضغط الشبابية ـ الحديدة:

برزت في الآونة الأخيرة ظاهرة انتشار المتسولين في شوارع مدينة الحديدة بصورة كبيرة، وغالبيتهم من النساء ممن  تتراوح اعمارهن ما بين 18-45 عاماً، بحسب دراسات محلية، لتجعلهن عرضه للمخاطر، في ظل استمرار تدهور الأوضاع المعيشية والأمنية في البلاد.

 

ما يجعلنا نقف أمام مشكلة اجتماعية حقيقية، يجب تسليط الضوء عليها، والاسهام بمعرفة مسبباتها، والعمل على معالجتها، بالشراكة بين منظمات المجتمع المدني والجهات الحكومية المختصة، للحد من هذه الظاهرة.
 

يقول احد موظفي مكتب الشؤن الاجتماعية والعمل في محافظة الحديدة، الذي فضل عدم ذكر اسمه:" يعود سبب ارتفاع اعداد المتسولات في الشوارع إلى عدم قدرة من يعولهن على توفير لقمة العيش في الظروف المعيشية الصعبة، التي أثرت على من يتقاضوا أجور ومرتبات شهرية، فكيف سيكون الحال بمن يعملون بالأجر اليومي ".

 

يؤكد موظف الشؤون الاجتماعية أن غالبية المتسولات اللاتي في الشوارع هم من فئات المهمشين والأسر الفقيرة والأشد فقراً، هذه الفئات التي طحنتهم آلة الحرب الدائرة في البلاد مما جعلهم يلجؤون إلى التسول في الشوارع للكفاح من أجل البقاء، حد قوله.

 

النساء يتحملن الأعباء

وخلال العبور في أحد شوارع مدينة الحديدة شوهدت احدى المتسولات وكانت تحمل في حضنها طفلتها الرضيعة ذات الأربعة أشهر، وفي يدها الاخرى طفلة أخرى بعمر 3سنوات، وعندما سألناها عن السبب الذي جعلها تمد يدها متسولة لأصحاب السيارات في الشوارع، أجابت بخجل: " اضطررت لممارسة التسول في الشوارع بعد أن طلقني زوجي وطردني من المنزل، وانا بدون أهل استطيع اللجوء اليهم، وأصبحت مع اطفالي مشردين في الشوارع بدون عائل، مما جعلني أمد يدي للأخرين لإطعام طفلتي كسرة خبز تطفي لهيب جوعها، حيث اتناول مع اطفالي وجبة واحدة فقط في اليوم". وتضيف:" ولأنني مرضعة بحاجة للغذاء لإرضاع طفلتي الرضيعة كما ترون".

 

تقول متسولة اخرى، رفضت ذكر اسمها:" بسبب إصابة زوجي بمرض اقعده على الفراش، ولم يعد يستطع الحركة، وكان يعمل في السابق بالأجر اليومي في صندوق النظافة والتحسين بالمحافظة، وبسبب مرضه لم يعد لنا من يعولنا، وبحثت عن عمل لأستطيع إعالة نفسي وزوجي المقعد، ولم أحصل على أي فرصة لأنني أمية، مما جعلني أخرج للتسول بدون علم زوجي بذلك، وأقنعه بأني أعمل في إحدى المنازل لمساعدتهم مقابل مبلغ بسيط".

 

متسولات ضحايا جشع الاباء

وخلال مرورنا في إحدى الجولات الرئيسية في المدينة، صادفنا العديد من الحالات لمتسولات تتراوح أعمارهن ما بين 18-30 عام، اجبرهن آباؤهن على النزول للشوارع للتسول، وتوفير احتياجات الاسرة،  إلى جانب توفير مبلغ لشراء القات، بحجة أنه عاطل عن العمل، مستغلاً تعاطف المجتمع مع المرأة واستغلالهن في أغلب الأحيان، لكن هذا النوع من الآباء يعرض بناته إلى للعديد من الاتهامات والأذية من قبل الكثيرين.

 

وحسب ما قالت لنا متسولة من فئة المهمشين (ن.ح.ش) بالغة من العمر21سنة فإن والدها لم يلحقها بالمدرسة ابداً، لعدم قدرته على ذلك، وأجبرها بدلاً عن ذلك على التسول بالشارع مع صديقاتها، لتتكفل بمصاريف المنزل.

كما تقول:" دائماً ما أعاني مما ألاقيه من مضايقات البعض، لكن مع تكرار تلك المواقف أصبحت معتادة على التعامل معها، متحملة كل هذه الضغوط للهروب من معاقبة والدي، الذي أجبرني على التسول من طفولتي منذ بلغت التاسعة من عمري، ولست الوحيدة بل هناك الكثيرات أمثالي".

 

فريسة جنسية سهلة

غالباً ما ينظر بعض المنحرفين إلى هذه الفئة المستضعفة التي خرجت إلى الشارع بحثاً عن لقمة العيش لتسد جوعهم بغير رضاها على أنها فريسة سهلة لإشباع نزواتهم الجنسية مقابل القليل من المال، مما يجعل الكثير من النساء معرضات للمخاطر والمضايقات في كثير من الأوقات.

 

وقالت إحدى المتسولات:" احاول تجنب الكثيرين ممن يسعون إلى مضايقتي، لأنني لم أخرج من منزلي إلا للحاجة الماسة لتوفير ما يطعمني وأطفالي الثلاثة الذين توفى والدهم ولا يوجد من يعيلهم، وخاصة عندما أراهم يبكون باحثين عن كسرة خبز يأكلونها أجدني مجبرة للخروج والبحث عن شيء يسد جوعهم".

 

وأضافت بنبرة حزينة ومتألمة:" في أغلب الأحيان أتحمل الكثير من المضايقات ولا أفكر فيما يحصل لي، لأن كل ما أفكر به، هو توفير لقمة العيش لأطفالي

 

اختفاء دور المجتمع المدني

بالرغم من تنفيذ العشرات من البرامج الاغاثية والتنموية للعديد من منظمات المجتمع المدني المحلية والدولية، والتي استهدفت فئة المهمشين والأسر الفقيرة والأشد فقراً، في مدينة الحديدة بصورة خاصة، لكننا نجدها لم تلامس أصحاب الاحتياج المعنيين بهذه البرامج، مكتفين ببعض أعمال التوثيق في تلك الأماكن، وتذهب بقية المواد إلى أشخاص أقل احتياجاً لها.

 

تؤكد واحدة من المتسولات :" بالتأكيد كل الناس ينظرون الينا باحتقار ولكن للأسف، لا أحد يساعدنا بشيء، من أجل أن يخرجنا من هذه الحالة التي نحن عليها"، وأضافت: "نسمع بما تسمى بالمنظمات الدولية بأنها توزع الغذاء، لكننا لا نعرف عنهم شيئاً، ولا تصلون إلينا، ولا يبحثون عن الأسر المحتاجة، ويحرموننا من هذه المواد الغذائية لأننا اضطررنا إلى التسول من أجل البحث عن الأكل والشرب، ويذهبون بتلك المواد الغذائية إلى الذين في بيوتهم معززين مكرمين، اما نحن فالمجتمع غير متقبل لنا ابداً، لكن الله معنا ولن ينسانا".

 

ويبقى السؤال الدائم  والمتكرر: من المستهدف الحقيقي من هذه البرامج الغذائية، إذا لم يكن الغرض منها مساعدة الأسر المحتاجة ؟! وستظل المعايير المهنية للمنظمات الإنسانية فاقدة جوهرها في هذه المدينة المظلوم سكانها من الجميع.
 

دمعة أخيرة

تتنوع الأسباب وتتغير الدوافع، لكن تبقى المرأة المتسولة، قصة حزن متكررة، تتذوق المأساة والألم، مع اطلالة كل صباح، في ظل أوضاع معيشية الأكثر سوأ مما مر عليها المواطنين على مدى الفترات الزمنية السابقة.

ومن هنا يجب ان يلتفت الجميع دون استثناء الى أصحاب تلك الأجساد النحيلة التي ارهقتها الشمس، والجوع، والعطش، المشردة في الشوارع للبحث عن قوت يومها، علها تجد متعة الحياة في يوم من الأيام.